دليل الحاج
أركان الحج هي:
1- الإحرام: والمقصود به نيَّة الدخول في النسك؛ لحديث عمر رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنّه قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّـيَّـاتِ». [رواه البخاري ومسلم]
2- الوقوف بعرفة: لحديث عبد الرحمن بن مَعْمَر رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ». [رواه أصحاب السنن]
3- طواف الإفاضة: لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وهذه الأركان الثَّلاثة متفقٌ عليها بين العلماء. [يُنظَر: "زاد المَعاد" (2/260)]
4- السَّعي: وهو ركن، عند جمهور العلماء، رحمهم الله. [يُنظَر: "الاستذكار" (4/222)، و"المجموع" (8/77)]
* * * * * * * * * * * *
واجبات الحج هي:
1- أن يكون الإحرام من الميقات: لأَمْر النَّبيِّ ﷺ كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ». [رواه البخاري ومسلم]
2- الوقوف بعرفة إلى غروب الشَّمس لمن وقف نهارًا: لفِعل النَّبيِّ ﷺ حيث وقف إلى الغروب، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ». [رواه مسلم]
3- المبيت بِـ «مِنَى» ليالي التَّشريق: لأنَّ العباس رضي الله عنه استأذن من النَّبيِّ ﷺ أن يبيت في مكة من أجل سقايته، فأَذِن له كما في «الصَّحيحين»، ولو لم يكن واجبًا لمَا استأذن.
4- المبيت بمُزدلِفة: لفِعل النَّبيِّ ﷺ كما جاء في حديث جابر رضي الله عنهما، وقول النَّبيِّ ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، والمبيت بمُزدلِفة واجبٌ من واجبات الحج، وهذا قول جمهور العلماء. [يُنظَر: "الإنصاف" (9/294)]
5- الرَّمي: لفِعل النَّبيِّ ﷺ كما في حديث جابر رضي الله عنهما، وقال ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، وأَمْره ﷺ كما في قوله: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا». [رواه أحمد والنسائي وابن ماجه]
6- الحَلْق أو التَّقصير: لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27]، وفَعَله ﷺ، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».
7- طواف الوداع: لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ». [رواه البخاري ومسلم]
والباقي من أفعال الحج وأقواله سُنن، كطواف القدوم، والمبيت بمِنًى ليلة عرفة، والاضطباع، والرَّمَل في طواف القدوم، وتقبيل الحَجَر، واستلام الركن، والأذكار، والأدعية، وصعود الصفا.
* * * * * * * * * * * *
صِفَةِ الْحَجِّ
[الإِحْرَامُ مِنَ الميْقَات]
- يُحرم القادم من بلده من المواقيت حسب جهة قدومه؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» [رواه البخاري ومسلم]
- ومَن كان دون المواقيت فمن أهله؛ لقوله: «فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ».
- ومن كان في مكة سواءٌ كان مقيمًا بها أو غير مقيم، أو كان من أهلها أو غيرهم، فإنَّه يُحرِم لحجه من مكة من أيِّ موضع منها، ولو من بيته الذي في مكة. وهذا بإجماع أهل العلم [يُنظَر: "مراتب الإجماع" (ص42)]؛ ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما السَّابق، وفيه: قال النَّبيُّ ﷺ: «... وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا».
* * * * * * * * * * * *
[سُنَنِ الإِحْرَامِ]
1- التجرد من الثياب والاغتسال:
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» [رواه الترمذي].
2- التَّنظُّف:
يستحب للمحرم عند الاغتسال أخذ ما يَتعلَّق بسُنَن الفطرة إذا احتاج لذلك، فيستحب له تقليم الأظافر، ونَتفُ شعر الإِبْط، وحلقُ العانة، وحفُّ الشَّارب، وقَطْع الرائحة الكريهة، وهذه تسمى بـ"سُنَن الفطرة". [يُنظَر: "المغني لابن قدامة" (٣/2٥٧)].
3- التَّطيُّب:
يُسَنُّ لمن أراد الإحرام أن يتطيّب في بدنه دون ثوبه؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ» [رواه البخاري ومسلم].
وعنها رضي الله عنها قالت: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ ﷺ- وفي رواية: وَلِحْيَتِهِ- وَهُوَ مُحْرِمٌ» [رواه البخاري ومسلم]. أي: كَأنَّها تَنظُر إلى أثَرِ الطِّيبِ وبَريقِه ولَمَعانِه في جَوانبِ رَأْسِ النبيِّ ﷺ وهو مُحْرِمٌ.
4- لُبْس الإزار والرِّداء الأبيضين النَّظيفين:
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» [رواه أحمد].
- المرأة ليس لها لباس خاص بالإحرام.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: «تُحرِم المرأة في أيِّ ثياب شاءت، لكن الأفضل أن يكون إحرامها في ملابس غير جميلة وغير لافتة للنظر».
5- أن يكون إحرامه عقب صلاة:
يُستحَب لمن أراد الحج أو العمرة أن يكون إحرامه بعد صلاة، فإذا وافق المُحرِم صلاة فريضة أَحْرَم بعدها، أو يكون ذلك بعد نفل، كسُنَّة الضُّحى، أو الوتر، أو ركعتَي الوضوء لمن اعتاد عليهما؛ لحديث عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» [رواه البخاري].
- بعد ذلك يلبّي بالنسك
يُشرَع أن يُلبِّي (المتمتع) فيقول: «لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك»، فيؤدي عمرته بصفتها، ثم إذا جاء يوم التروية – وهو اليوم الثامن - أَهَلَّ بالحج.
ويُلبِّي (القارن): فيقول: «لبيك عمرةً وحجًّا، لبيك اللهم لبيك»
ويُلبِّي (المفرد): فيقول: «لبيك حجًّا، لبيك اللهم لبيك»،
* * * * * * * * * * * *
[يَوْمُ التَّرْوِيَةِ: اليَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ]
* أعمال هذا اليوم، وأحكامه:
- من السُّـنَّـة أن يُحرِم الحاج (المتمتع) للحج في اليوم الثَّامن، وهو يوم التَّروية.
عن جابر رضي الله عنهما، قال: «أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً...»، وفيه: «حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ». [رواه مسلم]
· يُحرِم من موضعه الذي هو فيه، فمَن كان في مكة كأهلها وغيرها، يُحرِمون من مكانهم، ومَن كان في «مِنَى» يُحرِمون من خيامهم في «مِنَى».
· وأما من كان قارناً أو مفرداً فهو مستمرّ على إحرامه.
- يُسَنُّ أن يفعل عند إحرامه هذا ما يُسَنُّ فعله عند إحرامه عند الميقات.
- السُّنَّة أن يُحرِم قبل الزَّوال، ويُصلِّي الظُّهر في «مِنَى»؛ لفِعل النَّبيِّ ﷺ كما جاء في حديث جابر رضي الله عنهما: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ...» [رواه مسلم]، فيُصلِّي الظهر والعصر والعشاء قصرًا، كما فَعَل النَّبيُّ ﷺ.
- يُسنُّ أن يبيت ليلة التَّاسع في «مِنَى»، لفِعل النَّبيِّ ﷺ كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه.
* * * * * * * * * * * *
[يَوْمُ عَرَفَةَ: اليَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ]
أعمال هذا اليوم، وأحكامه:
- إذا طَلَعت شمس يوم عَرَفة، يسير الحاج من «مِنَى» إلى «عَرَفَة».
لحديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي ﷺ، وفيه: «ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ... فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ»، وقد ضُرِبت للنَّبيِّ ﷺ قُبَّة في نَمِرة حتى زالت الشمس ثم أتى عرفة.
- يسنُّ للحاج في طريقه من «مِنَى» إلى «عَرَفَة» أن يلبّي أو يكبّر.
عن محمد بن أبي بكر الثَّقَفي، أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: «كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ»، [رواه البخاري ومسلم].
- ثم يقف في «عَرَفَة» وكلها موقف إلا بطن «عُرَنَة».
لحديث جابر رضي الله عنه حيث قال النَّبيُّ ﷺ: «وَوَقَفْتُ هَا هُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ». إلا بطن «عُرَنة»، فالوقوف فيه لا يُجزِئ، ونَقَل ابن هُبيرة اتفاق الأئمة على هذا [«الإفصاح» (1/271)]، فقد جاء في الحديث -عند ابن ماجه- أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ».
- إذا زالت الشَّمس يُسَنُّ للإمام أن يَخطب خطبة قصيرة.
لفِعل النَّبيِّ ﷺ كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه: «حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ».
- ثم يُصلِّي الظهر والعصر جمعًا وقَصْرًا
لحديث جابر رضي الله عنه، حيث أَذَّن المؤذِّن، فصَلَّى النَّبيُّ ﷺ الظُّهر والعصر جمعًا وقَصْرًا، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا من النَّوافل، ويكون ذلك بأذان واحد وإقامتين؛ ليتفرغ بعد ذلك للدعاء.
- يُستحب أن يُكثِر الإنسان من الدُّعاء يوم عرفة، ويَتفرَّغ له إلى غروب الشَّمس.
لأنَّه موطن تُرجَى فيه الإجابة، فقد كان النَّبيُّ ﷺ يجتهد في الدعاء، وثَبَت في «مسند أحمد» من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَسَقَطَ خِطَامُهَا. قَالَ: فَتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الْأُخْرَى».
- وجاء في فضل يومِ عرفةَ أحاديث، منـها:
أ- قول النَّبيِّ ﷺ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» [رواه مسلم]، فينبغي للمسلم أن يجتهد فيه لينَال هذا الثَّواب العظيم.
ب- قول النَّبيِّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُـبْرًا»، [رواه أحمد].
- ويُستحَب أن يُكثِر القول ممَّا ورد في حديث عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جَده، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [رواه الترمذي]
- يَدفع الحاج بعد غروب الشمس من «عَرَفَة» إلى «مُزدلِفة».
لحديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ».
* * * * * * * * * * * *
[لَيْلَةُ مُزْدَلِفَةَ]
أعمال هذه الليلة، وأحكامها:
- يُسَنُّ أن يَدفع الحاج إلى «مُزدلِفة» بسَكينة.
لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ»، [رواه البخاري]، أي: ليس بالسَّير السَّريع.
- ثم يَجمع بين المغرب والعشاء في «مُزدلِفة».
لحديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا»، أي: لم يَتنفل بينهما شيئًا.
- ثم يبيت في «مُزدلِفة».
لفِعل النَّبيِّ ﷺ كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه، وقول النَّبيِّ ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»
- والسُّنَّة في ليلة «مُزدلِفة»: أن ينام الحاج فيها، وهذا أفضل من إحيائها بقراءة وذِكر وصلاة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اضطجع فيها حتى طلع الفجر، كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه.
- ثم يُصلِّي الفجر في أول وقتها.
أي: عند أول طلوع الفجر؛ لحديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَـامَةٍ».
- ثُم يأتي «المَشعر الحرام» إن تَيسَّر له ذلك، فيقف عنده فيدعو الله تعالى، ويُكبِّره ويَحمده.
والمقصود بالمَشعر الحرام: جبل صغير في «مُزدِلفة»، وبُنِي عليه الآن مسجدٌ.
لحديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ».
- فإن لم يتيسر له المَشعر الحرام جلس يدعو الله تعالى ويَذكره في مُصلَّاه، أو أي مكان من «مُزدلِفة».
- ثم يَدفع من «مُزدلِفة» قبل أن تطلع الشَّمس.
لحديث عمرو بن ميمون قال: «شَهِدْتُ عُمَرَ رضي الله عنه صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُـعَ الشَّمْسُ» [رواه البخاري].
- يجوز للحاج أن يأخذ حصى جمرة العقبة من أيِّ مكان شاء، باتفاق الأئمة الأربعة، وأنَّ الأمر في ذلك واسع. [يُنظَر: "المجموع" (8/124)، و "الشَّرح الكبير" (9/188)]
* * * * * * * * * * * *
[يَوْمُ النَّحْرِ: اليَوْمُ العَاشِرُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ]
أعمال هذا اليوم، وأحكامه:
في هذا اليوم خمسة أعمال، وهي على حَسَب السُّنيَّة في التَّرتيب: «الرَمْي، ثم النَحْر، ثم الحَلْق، ثم الطواف، ثم السَعْي».
أولًا: الـرَّمي.
أولُ ما يَبدأ به الحاج إذا دخل «مِنَى» رَمْي جمرة العقبة بسبع حصيات؛ لفِعل النَّبيِّ ﷺ، حيث بدأ بجمرة العقبة، فرماها بسبع حصيات، كما في حديث جابر رضي الله عنه.
- يُكبِّر مع كل حصاةٍ يرميها.
لحديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ»، والتكبير سُنَّة، فلو نسيه فلا حرج عليه، ولا تُشرَع التَّسمية مع التكبير لعدم ورودها عن النَّبيِّ ﷺ.
- ويُسَنُّ حين رميِهِ: أن يَستقبل الجمرة، ويَجعل «مِنَى» عن يمينه ومكة عن يساره؛ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه: «أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ» [رواه البخاري ومسلم]، ولو رَمَى الجمرة من مكان آخَر لأنَّه أيسر، ووقعت الحصاة في المرمى، لكفى ذلك. [يُنظَر: «فتاوى ابن عثيمين» (23/160)]
- إذا بدأ الحاج برمي جمرة العقبة، فإنَّه يَقطع التَّلبية.
وسَبَق أنَّ التَّلبية تُشرَع للحاج من حين إحرامه، فهو في اليومين «الثَّامن والتَّاسع» كان ملبيًا، فإذا بدأ برمي جمرة العقبة في اليوم «العاشر» قَطَع التَّلبية؛ لحديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال: «لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» [رواه البخاري ومسلم].
ثانيًا: النَّـحر.
إذا رَمَى الحاج جمرة العقبة فإنَّه يَنحر هَدْيه؛ لحديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ... ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ».
وسَبَق لنا أنَّ القارن والمتمتع يجب عليهما الهَدْي، والسُّنَّة أن يأكل من الهَدْي ويُطعِم مساكين الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]، ولفِعله ﷺ، ومَن لم يجد الهَدْي صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196].
ثالثًا: الحَلْق أو التقصير.
ويُسَنُّ له أن يَبدأ بشِق رأسه الأيمن عند الحلق أو التَّقصير؛ لحديث أنس رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: «خُذْ» وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ [رواه مسلم].
- الحلق أفضل من التَّقصير؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النَّبيَّ ﷺ قال: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»ـ كَرَّر ذلك ثلاثًا - قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ» [رواه البخاري ومسلم].
-والمرأة ليس عليها حلق بإجماع العلماء، بل عليها التَّقصير، فتُمسِك ضفائر شعرها إن كان لها ضفائر، فتَقص من كل قرن قَدْر الأنملة، أو أقلَّ من ذلك.
- لو خالف الحاج التَّرتيب بين أنساك يوم النَّحر.
سَبَق أنَّ السُّنَّة في ترتيب أنساك يوم النحر: «الرَمْي، ثم النَحْر، ثم الحَلْق، ثم الطواف، ثم السَعْي». ولو خالف الحاج بين ترتيب هذه الأنساك بأن حَلَق قبل أن يَرمي، أو طاف قبل أن يَنحر، أو سَعَى قبل أن يطوف، أو غير ذلك في المخالفة، فلا حَـرَج عـليه.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وفيه: وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. فَقَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إِنِّي أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهُ سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ: «افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ» [رواه البخاري ومسلم].
- رابعًا: طواف الإفاضة.
طواف الإفاضة ركنٌ من أركان الحج باتفاق الأئمة، وبعد طواف الإفاضة يُستحَب له أن يشرب من ماء زمزم؛ لفِعل النَّبيِّ ﷺ كما في حديث جابر رضي الله عنهما، وفيه: «فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ... فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ».
- خامسًا: السَّعي.
أمَّا المتمتع فإنَّه يأتي بالسَّعي بعد طوافه للإفاضة؛ لأنَّ سعيه الأول كان للعمرة، فالمتمتع عليه طوافان وسعيان، فيطوف طواف العمرة ويسعى، ويطوف طواف الحج ويسعى.
وأمَّا القارن والمُفرِد فأنَّه يجوز لهما تقديم سعي الحج بعد طواف القدوم، وهذا هو فعل النَّبيِّ ﷺ كما في حديث جابر رضي الله عنه، فهو الأفضل، فإن كانا سَعَيَا بعد طواف القدوم كفاهما عن سعي الحج، وليس عليهما يوم العيد سعي، وإن لم يكونا سَعَيَا بعد طواف القدوم لزمهما أن يسعيا بعد طواف الإفاضة.
- ثم يحلُّ للحاج كل شيء، وهذا يُسمَّى التَّحلُّل الثَّاني.
- ثم يرجع إلى «مِنَى» ليبيت فيها ثلاث ليالٍ.
أي: بعد ما يطوف طواف الإفاضة يوم النحر، ويسعى إن كان عليه سعي، يرجع الحاج إلى «مِنَى» ليبيت ليالي «الحادي عشر»، و «الثَّاني عشر»، و «الثَّالث عشر»
* * * * * * * * * * * *
[أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ الأَيَّامُ: الحَادِي عَشَرَ، وَالثَّانِي عَشَرَ، وَالثَّالِثَ عَشَرَ]
أعمال هذه الأيام، وأحكامها.
- صِفة الرَّمي في أيام التَّشريق.
بعد زوال الشمس يَبدأ الحاج بالجمرة الصغرى، فيرميها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة، ثم يَتقدَّمها ويجعلها خلفه، ثم بعد ذلك يَرفع يديه ويدعو طويلًا.
- ثم بعد ذلك يَذهب إلى الجمرة الوسطى، فيرميها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة، ثم يأخذ ذات اليسار ويدعو ويطيل الدُّعاء أيضًا.
- ثم يَذهب إلى الجمرة الكبرى (جمرة العقبة) فيستقبلها، ويَجعل البيت عن يساره، ومِنَى عن يمينه إن تَيسَّر له، ويرميها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة، ولا يدعو بعدها.
ويدلُّ عليه: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ»، [رواه البخاري].
- يفعل ما سبق في أيام التشريق الثلاثة.
- ومَن تَعجَّل في يومين خرج قبل غروب الشمس.
التعجُّل جائز في حقِّ جميع النَّاس، ولا إثم على مَن تَعجَّل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203]، والتأخر أفضل من التعجُّل.
والمقصود بالمتعجل هو: مَن رمى يوم «الحادي عشر»، ثم رَمَى يوم «الثَّاني عشر»، ثم خرج، ولا بُدَّ أن يكون خروجه من مِنًى قبل غروب شمس «الثَّاني عشر».
- طواف الوداع
إذا أراد الحاج أن يَخرج من مكة، فلا بُدَّ أن يطوف طواف الوداع، وهو واجبٌ، إلا على الحائض؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» [رواه البخاري ومسلم].